ستعزز بناء اقتصادات البلدين بعد كورونا.. وستساهم في تدفق رءوس الأموال إلى مصر

* 3.5 مليار جنيه إسترليني حجم التبادل التجاري بين مصر وبريطانيا في 2019

 ستساعد في تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية في المستقبل وتزويد الشركات في البلدين بفرص جديدة

* حجم استثمارات المملكة المتحدة في مصر يقارب الـ48 مليار دولار ممثلة بنحو 1817 شركة

 “مصر وجهة عظيمة للاستثمار لوجود فرص عظيمة في المشروعات القومية الكبرى 

بعد نحو خمسين عامًا في حضن الاتحاد الأوروبي، تكتب بريطانيا فصلًا جديدًا في الأول من يناير 2021. ويتوقع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون مستقبلًا رائعًا لبلاده فيما يخشى مناهضون لبريكست من غرق المملكة المتحدة في المجهول.

وطالب بعض المؤيدين للخروج البريطاني من تحت عباءة الاتحاد الأوروبي، بإعادة إنتاج النموذج البريطاني في سنغافورة، ليكون في لندن وعلى مجرى نهر التايمز، بحيث تصبح بريطانيا ملاذا ضريبيا للقطاع المالي الأوروبي.

وأكدت حكومة داوننج ستريت، المشرفة على تنفيذ اتفاق الـــ بريكست، أن الأموال التي كانت تدفعها لندن لخزينة الاتحاد الأوروبي سيتم انفاقها بشكل أفضل على الخدمات المقدمة للشعب البريطاني، مع التركيز على أولويات البريطانيين، خصوصًا على الخدمات العامة، وكذلك نقل الجهود والاستثمارات إلى المناطق التي لم تستفد من النمو المالي في لندن.

ويشتمل برنامج التحديث المعد للخروج  الرابح من الاتحاد الأوروبي، على إقامة استثمارات جديدة على غرار خطّ قطارات سريع “اتش اس 2” يربط وسط انجلترا بشمالها.

اتفاقية الشراكة مع مصر بديلا

ووقع السفير البريطاني في مصر، السير جيفري آدامز، أول أمس السبت، اتفاقية لتعزيز العلاقات السياسية والتجارية بين مصر والمملكة المتحدة، مع مساعد وزير الخارجية لأوروبا د. بدر عبد العاطي. 

وبحسب بيان للسفارة البريطانية بالقاهرة، ستسمح الاتفاقية للشركات والمستهلكين البريطانيين بالاستفادة من الوصول التفضيلي المستمر إلى السوق بعد نهاية الفترة الانتقالية – ما سيساعد على تعزيز التجارة والاستثمار الحيوي.

وتم تصميم هذه الاتفاقية لتصبح سارية المفعول عندما يتوقف تطبيق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا في يناير المقبل، وستخضع هذه الاتفاقية الآن للإجراءات البرلمانية المحلية في كل من المملكة المتحدة ومصر.

وبالإضافة إلى تأمين سبل التجارة، توفر الاتفاقية إطارًا للتعاون والمزيد من تطوير الروابط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فالمملكة المتحدة ملتزمة بتعزيز علاقتها مع مصر وبناء التعاون في القضايا المهمة بما في ذلك التعليم والبيئة وحقوق الإنسان.

وأضاف البيان أن الاتفاقية ستوفر تجارة خالية من الرسوم الجمركية على المنتجات الصناعية، فضلًا عن تحرير التجارة في الزراعة والأغذية الزراعية ومصايد الأسماك مما سيجعل التجارة أسهل ويوفر مدخرات كبيرة للشركات في كل من المملكة المتحدة ومصر.

وبلغ إجمالي التجارة في السلع والخدمات بين المملكة المتحدة ومصر 3.5 مليار جنيه إسترليني في عام 2019، وستسعى بريطانيا للتوسع.

ترحيب بريطاني

ومن جانبه، قال وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب ترحيبًا بالاتفاق إن هذا الاتفاق يسلط الضوء على قوة الشراكة بين المملكة المتحدة ومصر، ويعكس طموحنا المشترك لبناء تعاوننا في مجموعة من القضايا المهمة. ستؤدي الروابط التجارية الأقوى وزيادة الاستثمار إلى نمو اقتصاداتنا ومساعدة بلدينا على إعادة البناء بشكل أفضل من تأثير جائحة فيروس كورونا.”

وقالت وزيرة التجارة الدولية البريطانية، ليز تروس: إن “هذه الاتفاقية هي إشارة واضحة على التزام المملكة المتحدة الدائم بعلاقتها الثنائية الوثيقة مع مصر، وستساعد في تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية في المستقبل. وسيساعد ذلك في تزويد الشركات البريطانية والمصرية بفرص جديدة ويوفر لهم اليقين الذي يحتاجون إليه لمواصلة التداول. وستظل المملكة المتحدة ملتزمة بتأمين الصفقات التي تدعم الوظائف البريطانية، وتوفر مدخرات كبيرة وتساعد على دفع التعافي بعد “كوفيد -19”. 

وتابع البيان أن مصر تعد سوقًا مهمًا لصادرات المملكة المتحدة بقيمة 2.3 مليار جنيه إسترليني في عام 2019 (1.5 مليار جنيه إسترليني في صادرات السلع، و 0.8 مليار جنيه إسترليني في صادرات الخدمات). شملت الصادرات الرئيسية للسلع إلى مصر العام الماضي خامات المعادن (235 مليون جنيه إسترليني) بالإضافة إلى المنتجات الطبية والخاصة بالصيدلة (111 مليون جنيه إسترليني).

وشدد على أن المستهلكين والشركات سيستمرون في الاستفادة من المزيد من الخيارات والأسعار المنخفضة للسلع المستوردة من مصر، فقد شملت الواردات الرئيسية إلى المملكة المتحدة في عام 2019 السلع الكهربائية الوسيطة (193 مليون جنيه إسترليني) والخضروات والفواكه (160 مليون جنيه إسترليني).

وقال نبيل البصري ، المدير العام لشركة GlaxoSmithKline (GSK) بشمال إفريقيا: “بصفتها شركة بريطانية كبيرة للرعاية الصحية في مصر ، ترحب GSK Consumer Healthcare بتوقيع هذه الاتفاقية التجارية بين مصر والمملكة المتحدة. ستضمن هذه الاتفاقية المهمة بلا شك استمرار الشراكة التجارية القوية بين بلدينا وتسمح للمستثمرين البريطانيين بالاستمرار في الاستفادة من بيئة استثمارية قوية وصحية في مصر. 

وأضاف: “ما زلنا متفائلين للغاية بشأن فرص التنمية المستقبلية في مصر ونتطلع إلى مزيد من النمو بموجب شروط هذه الاتفاقية، بما يخدم مصالح الاقتصاد البريطاني والمصري”.

ومن جانبه قال أنتوني بيل، رئيس شركة “بلو سكايز هولدينجز” Blue Skies Holdings: “بصفتها شركة بريطانية استثمرت بشكل كبير في مصر على مدار الـ 18 عامًا الماضية، إن استمرار اتفاقية التجارة الحرة بين مصر والمملكة المتحدة أمر بالغ الأهمية لشركة Blue Skies. فالاتفاقية أمر حيوي لتأمين الوظائف والازدهار والاستدامة ودفع النمو الاقتصادي الذي تشتد الحاجة إليه في كل من مصر والمملكة المتحدة، مضيفًا: “الآن ، أكثر من أي وقت مضى في المناخ الدولي الحالي، نحن بحاجة إلى ضمان استمرار سلس للتجارة الحرة لحماية مستقبل أعمالنا “.

 

مبدأ بريطانيا العالمية

ويرتكز مبدأ بريطانيا العالمية “جلوبال بريتن” على فكرة ألا تنغلق المملكة المتحدة على نفسها إنما أن تستدر نحو الخارج، لعقد اتفاقات تبادل حرّ في كافة أنحاء العالم.

وقالت وزيرة التجارة الدولية في بريطانيا ليز تراس في أواخر أكتوبر “الآن بعدما عاد مبدأ “جلوبل بريتن”، حان الوقت للمصنعين والرجال والنساء العاملين والمبتكرين لمساعدتنا في كتابة فصلنا الأكثر إثارة حتى اليوم”. وتفاخرت بعمليات تصدير مستقبلية لكل أنواع المنتجات البريطانية، من الكريمة إلى الروبوتات.

وبعد ثمانية أشهر من المحادثات الشاقة في خضمّ أزمة فيروس كورونا المستجد، بدأ الاتحاد الأوروبي وبريطانيا الجولة الأخيرة من المفاوضات حول مرحلة ما بعد “بريكسِت” للتوصل في ختامها إلى اتفاق تجاري غير مسبوق.

وخرجت بريطانيا رسميًا من الاتحاد الأوروبي في 31 يناير الماضي، إلا أن تأثير الانفصال لن يظهر قبل اليوم الأول من عام 2021، بعد انتهاء الفترة الانتقالية التي يُفترض أن يتواصل خلالها تطبيق المعايير الأوروبية.

وفي هذه الفترة أيضًا، تعهّدت لندن وبروكسل بإبرام اتفاقية تجارية باسم “لا رسوم جمركية، وصفر حصص” للحدّ قدر الإمكان من العواقب السلبية لـ”بريكسِت” والتي لا يمكن تجنّبها. 

رغبة للاستثمار في مصر

وأكدت الشركات البريطانية المستثمرة في مصر أن طفرة التعديلات التشريعية الاقتصادية التي أجرتها الحكومة المصرية كان لها دور كبير في زيادة الاستثمارات البريطانية، وتربّع بريطانيا على صدارة الدول المستثمرة في البلاد.

ووقعت بريطانيا اتفاقًا تجاريًا لمرحلة ما بعد بريكست مع اليابان وتفاوضت بشأن اتفاقات أخرى مع الولايات المتحدة وأستراليا وكندا ونيوزيلندا. فهل ستستفيد مصر من هذا الخروج، خاصة وأن بريطانيا استفادت من الاتفاقيات الموقعة بين مصر والاتحاد الأوروبي. وأكدت لندن رغبتها في إعادة إحياء شراكاتها في سائر أنحاء العالم، خصوصًا مع الولايات المتحدة “حليفتها الأقرب والأكبر”.

وسيُغرق الخروج بدون اتفاق الصادرات والواردات ببريطانيا في دوامة عبر إعادة فرض رسوم جمركية على منتجات، من الخراف إلى السيارات، ما يثير الخشية من نقص في الأغذية والأدوية داخل بريطانيا. لكن حتى في حال التوصل إلى اتفاق، سينبغي على المصدّرين البريطانيين ملء الكثير من المستندات لإثبات أن منتجاتهم يُسمح لها بالدخول إلى السوق الأوروبية الموحدة. ومن الممكن أن تثير زيادة الإجراءات، بعض الفوضى إذا تبيّن أن الاستعدادات غير كافية.

ودعت الحكومة المصرية كبريات الشركات البريطانية إلى زيادة حجم استثماراتها في مصر، وتستهدف القاهرة تخطي حاجز استثمارات المملكة المتحدة في البلاد الـ50 مليار دولار خلال الفترة المقبلة.

ويصل حجم استثمارات المملكة المتحدة في مصر ما يقارب الـ48 مليار دولار، ممثلة بنحو 1817 شركة. وتعمل الحكومة المصرية على تطوير وإنشاء المزيد من المناطق الحرة والاستثمارية في مختلف المحافظات، إضافة إلى التوسع في مراكز خدمات المستثمرين من أجل التيسير على المستثمرين.

وضم المنتدى البريطاني الأول للمستثمرين البريطانيين (شركات استرا زينيكا، وBP مصر، وجلاكسو سميثكلاين، وبنك إتش إس بي سي، وفودافون مصر، وشل، ويونيليفر) وبحث استغلال قمة الاستثمار الأفريقية البريطانية التي استضافتها لندن في يناير 2020، والتي جمعت بين الشركات والحكومات والمؤسسات الدولية تعزيز نوعية فرص الاستثمار في جميع أنحاء أفريقيا، وخلق فرص العمل في القارة.

وقال السير جيفري آدامز، سفير بريطانيا لدى القاهرة “بصفتها المستثمر الأكبر بمصر، حرصت المملكة المتحدة على إنشاء قناة تواصل مع الشركات البريطانية الرائدة من خلال منتدى المستثمرين البريطاني”. وأضاف “يضمن هذه الحوار المفتوح استمرارنا في العمل سويًا للاستثمار في رأس المال البشري بمصر وتحقيق أهداف الرفاهية المشتركة بيننا”.

وقال إيان جراي، رئيس غرفة التجارة المصرية البريطانية، إن الغرفة عرضت تجارب نجاح الشركات البريطانية العاملة في مصر على الشركات البريطانية الراغبة في الاستثمار بالخارج، مؤكدا أن “مصر وجهة عظيمة للاستثمار، ليس فقط بسبب حجم السوق الكبير والاتفاقيات التجارية والاستثمارية العديدة، ولكن أيضا بسبب وجود فرص عظيمة للاستثمار في المشروعات القومية الكبرى، التي توسعت فيها الحكومة المصرية”.

بريطانيا العالمية

ويعتبر دبلوماسي أوروبي أن المنطق والعقل يجب أن يسمحا بالتوصل إلى اتفاق. ويتابع لكن ما اتضح خلال السنوات الأخيرة هو أن المنطق الاقتصادي والحسّ السليم لا يكفيان لشرح ما يحصل في ملف بريكسِت.

وفي حال لم يتم التوصل إلى اتفاق، ستخضع المبادلات بين بريطانيا والاتحاد لقواعد منظمة التجارة العالمية مع إعادة فرض رسوم جمركية كبيرة جدًا في بعض الأحيان، لكن أيضًا ستواجه عقبات غير متعلقة بالرسوم الجمركية (مثل الحصص والمعايير التقنية والصحية).

وسيتسبب الخروج من الاتحاد بدون اتفاق بمزيد من التداعيات للاقتصادات المتضررة أساسا جراء وباء كوفيد-19، لكن بشكل أكبر للاقتصاد البريطاني، إذ أن المملكة المتحدة تصدّر 47% من منتجاتها إلى القارة، في وقت لا يصدر الاتحاد سوى 8% من بضائعه إلى بريطانيا.

وفي حال الانفصال بدون اتفاق، تعتبر لندن أن سبعة آلاف شاحنة يمكن أن تعلق في منطقة كينت (جنوب شرق) لحوالي يومين من أجل عبور النفق. وقال وزير الخارجية الإيرلندي سايمون كوفيني مؤخرًا إذا لم نتمكن من إبرام اتفاق، سيمثل ذلك فشلًا كبيرًا للسياسة والدبلوماسية.

وتتعثر المفاوضات بسبب ثلاث مسائل: الضمانات المطلوبة من لندن في ما يتعلق بالمنافسة، ووصول الأوروبيين إلى مناطق الصيد في المياه البريطانية، وطريقة إدارة الخلافات في الاتفاق المستقبلي. 

وفي ما يخصّ المنافسة، يريد الاتحاد الأوروبي التأكد من أن المملكة المتحدة لن تنحرف عن المعايير البيئية والاجتماعية النافذة، بالإضافة إلى أنها لن تقدم مساعدات لشركاتها بشكل غير محدود، فيما هو مستعد لفتح أمامها سوقه التي تضمّ 450 مليون مستهلك. في حال لم يتمّ احترام ذلك، يرغب الاتحاد في فرض عقوبات فورية لحماية شركاته، الأمر الذي ترفضه لندن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: